الشيخ محمد الصادقي الطهراني

309

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« إني لا أملك إلَّا نفسي وأخي » قد تعني ملك تطبيق الرسالة في هؤلاء الفاسقين ، فله ملك الرسالة الأصلية ولأخيه ملك الرسالة الفرعية - وهو الولاية المطلقة الشرعية الرسولية - تحت مُلكته الرسالية ، ثم « لا أملك » هنا نسبية أمام هؤلاء الفاسقين ، وأما ملك هذه الرسالة بالنسبة للمؤمنين القلة معه فهو أمر واقع لا مردَّ له كما في نص الآية « رجلان من الذين يخافون . . » فقد يعني بقوله إني وأخي ، نفضنا أيدينا عن بلاغ الرسالة كما أمرنا ، وهنا « لا أملك » مضارعة تعني حاله ومستقبله دون ماضيه حيث أثرت دعوته مهما كانت في قلة قليلة ، فلأن الرسالة لا تعني بدورها إلّا تحقيقها وقد تحققت في هؤلاء القلة ، ثم تجمدت أمام هؤلاء الكثرة الفاسقة فلا طائل - إذاً - تحت تبقية الرسول وقد نفض يديه عن الوحي بلاغاً وإبلاغاً ، ثم لا يرى لإستمراية بلاغة بينهم إلّا مزيداً لفسقهم أو كفرهم ، وهكذا تكون أدوار الحياة الرسولية أن الرسول حين ينفض يديه عن كامل الوحي الرسولي بلاغاً وإبلاغاً ثم لا يرى بعد فترة تأثيراً في دعوته ، أن بقاءه بعدُ فيهم ليس تحته طائل ، إذاً يصح دعاءُه : « فافرق بيننا » أنا وأخي كرسولين ، وسائر المؤمنين نقباء وسواهم كأعضاد هذه الرسالة ، « فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين » ، إذ كلت الدعوة وما أثرت إلَّا نكوصاً ونكولًا ، وما خلفت فيهم إلَّا نكالًا ، فلا تعني « فافرق » طلباً لفرْقه عن أصل الرسالة أم عن دعوتها ، بل هو تطلب لموته أمّا أشبه بما يخلصه عن هذه الورطة ، ولكن اللَّه - حسب المفهوم من آيات لم يستجب دعاءه في موته إن كان هو المطلوب ، بل حوّل استجابته إلى تحريم الأرض المقدسة عليهم كأصل ، وتحريم سائر البلاد عليهم كفرع فلقد راعى موسى الأدب الرسالي فلم يترك الحوزة الرسالية خلافاً ل « ذا النون إذ ذهب مغاضباً . . » بل التجاء إلى الدعاء : « فافرق » دون تعيين لمصداق له تأدباً ، فإستجابة اللَّه في اللَّه في فرق صالح بينه وأخيه ، وبين القوم الفاسقين في « إنها محرمة عليهم » لا وعليهما ، فقد كنا نزور القدس خلال هذه الأربعين . فالمطلوب في دعاءه هو فرقُ مَّا ينجيه من ذلك الفَرَق وقد نجاه اللَّه بفرْق صالح دونما موت أو عزل له عن الرسالة أم دعوتها ، ونفس ذلك التيه فيه ما فيه من فرْق فيه لهم